ما يميّز مسلسلات 2009 أنها تتغلغل في إشكاليات الراهن وتغوص في وحوله لتعرضها على الملأ، وهو أمر يستحق التثمين كتوجّه بات ضرورياً وملحّاً، فالدراما الآن تمارس دوراً ثقافياً لا يمكن نكرانه، والحديث حول ذلك بحث بحاله، وليس بوسع أحد التغاضي عن كون هذا المنحى كان من أسباب نجاح الدراما سورية عند المشاهد العربي، إذ أن السمة الأبرز لها هي الجدية والجرأة في الطرح والمعالجة في قوالب فنية لا تقل جدية وجرأة.
المضامين التي قدمها كتّاب الدراما السورية، أولاً، وضعتها على تماس مباشر مع الناس، في أسئلة حياتهم ومصائرهم وفي معالجتها لإشكاليات ومتغيرات الواقع، ولعل هذا التوجه الذي نتحدّث عنه أكثر ما يتجلى في الأعمال التي تناولت العشوائيات السكنية، بيئة ومكاناً، حتى خرجت أعمال كبيرة فنياً كـ"الانتظار" و"غزلان في غابة الذئاب"... إلخ، وإن خرجت علينا انتقادات كثيرة معتبرة الأمر موضة وسوف تنتهي، فالحقيقة أثبتت أن هذه العلب اللا إنسانية هي مرايا مقعرة لصورة المجتمع السوري، لذا لا بد منها في كل تناول حقيقي.
وإن من أكثر ما يميز مسلسلات هذا الموسم هو اتجاهها إلى العشوائيات، والأمثلة كثيرة: "زمن العار"، "سحابة صيف"، "قلوب صغيرة"، "قاع المدينة".. فإن في هذا تأكيد على دور ثقافي تتجسم عناءه الصورة، وتخطو فيه خطوات حثيثة، فها هي مواضيع حساسة مطروحة على العلن: الشرف، التحول الجنسي، الشذوذ، التبني، عمالة الأطفال...
ما نحتاجه هو دراما تقتحم وتتهم وتسأل، دراما تتناول قضايانا الأساسية وتضع أصابع الاتهام على الجراح التي طالما تم التعامي عنها.. ما نحتاجه المزيد من الحدة والفضح للانهيار الأخلاقي والاجتماعي.. والمزيد من التأكيد على العدالة الاجتماعية والحقوق والقيم الحضارية.. ما نحتاجه فعلاً هو دراما عن "الآن وهنا"، عن هذه اللحظة الشائكة التي تضرب مجتمعاتنا بأعاصير جنونية، بعضها وافد وبعضها مقيم مزمن.
■ رائد وحش