
لا يبدو أن دونالد ترامب مستعد للتراجع عن هوسه بالاستيلاء على قطعة كبيرة من العقارات، متمثلة في غرينلاند. وهو الآن مصمم على ضرب المستهلكين الأمريكيين بضريبة كبيرة أخرى، عبر فرض رسوم جمركية بقيمة 75 مليار دولار على الواردات القادمة من الدول الأوروبية الأكثر دفاعاً عن الوضع القائم فيما يتعلق بغرينلاند والدنمارك.
دين بيكر
وكي يكون الأمر واضحاً: وعلى عكس ما تقرأه في الصحف، فإن هذه الرسوم الجمركية هي ضرائب تُفرض على الأمريكيين، لا على الدولة المصدّرة. قد يكون هذا الأمر معقداً أكثر مما يستطيع دونالد ترامب أو الأطفال الصغار استيعابه، لكن الأمريكيين هم من يدفع ثمن التعرفة الجمركية. صحيح أن خسارة جزء من سوق التصدير تمثل أمراً سلبياً للدول المستهدفة، لكن في هذه المرحلة بات الجميع في العالم يدرك أن أمريكا لم تعد سوقاً يمكن الاعتماد عليه، وقد وُضعت خطط للتكيف مع هذه الحقيقة.
لكن من غير المرجح أن يتوقف ترامب عند الرسوم الجمركية. فكما أنه لا يستطيع الاعتراف بأنه خسر انتخابات 2020 بفارق كبير، لا يستطيع أيضاً تقبّل أن غرينلاند لا تعود له. إنه رجل يعاني خللاً عقلياً خطِراً، وقد قرر أنه يريد غرينلاند، ويجب أن يحصل عليها.
أوروبا تكافح لإيجاد طريقة فعالة للرد. هناك نقاشات حول فرض رسوم جمركية على الصادرات الأمريكية، وهو ما قد يلحق بعض الألم بالشركات الأمريكية، لكنه على الأرجح لن يكون كافياً ليهمّ ترامب. وكما أن رسوم ترامب الجمركية تصيب المستهلكين الأمريكيين، فإن الرسوم الأوروبية ستجعل الحياة أقل قدرة على الاحتمال للعائلات الأوروبية المثقلة بالأعباء.
هناك بديل بسيط يُرجّح أن يكون أكثر فاعلية في جذب الانتباه، وسيعود في الواقع بالفائدة على المستهلكين الأوروبيين: يمكن للدول الأوروبية أن تعلن أنها لن تعود تحترم براءات الاختراع وحقوق النشر المملوكة لشركات أمريكية.
هذا الإجراء سيجذب الانتباه سريعاً من شركات المنتجات الاستهلاكية مثل «آبل»، التي تعتمد على آلاف براءات الاختراع في هواتف «آيفون» وغيرها من منتجاتها، وتحقق أكثر من 100 مليار دولار سنوياً. وبالمثل، تعتمد شركات البرمجيات مثل «أوراكل» التي يملكها الملياردير اليميني لاري إليسون و«مايكروسوفت» على براءات الاختراع وحقوق النشر لجعل كبار مساهميها فاحشي الثراء. كما تعتمد شركات الترفيه مثل «ديزني» و«باراماونت» المملوكة أيضاً لعائلة إليسون اعتماداً شبه كامل على احتكارات حقوق النشر كأساس لمليارات الدولارات من أرباحها السنوية.
وتتضح واقعية هذا الطرح أكثر عند النظر إلى الأرقام الفعلية التي تحققها الشركات الأمريكية الكبرى من احتكارات الملكية الفكرية. فشركة «ديزني»، على سبيل المثال، تُفصح في تقريرها السنوي لعام 2024 عن تحقيق 7.718 مليارات دولار من إيرادات «بيع وترخيص المحتوى» وحدها، وهو بند قائم كلياً على حقوق النشر، مع ربح تشغيلي بلغ 328 مليون دولار في عام واحد فقط. أما «باراماونت غلوبال»، فتُظهر إفصاحاتها المالية أن إيرادات «الترخيص وغيرها» بلغت 2.952 مليار دولار في قطاع الإعلام التلفزيوني، إضافة إلى 2.126 مليار دولار في قطاع الأفلام خلال عام 2024، وهي عوائد ناتجة مباشرة عن ترخيص حقوق العرض والبث والتوزيع الثانوي للمحتوى المحمي بحقوق النشر. وفي حالة «مايكروسوفت»، ورغم أن الشركة لا تفصل أرباح براءات الاختراع وحقوق النشر كبند مستقل، فإن تقاريرها الرسمية تؤكد اعتماد نموذجها الربحي على تراخيص برمجية محمية قانونياً، ضمن إجمالي إيرادات بلغ 281.724 مليار دولار في السنة المالية 2025، ما يجعل حقوق النشر والبراءات شرطاً بنيوياً لاستمرار هذه العوائد. هذه الأرقام لا تعكس مجرد نجاح تجاري، بل حجم الريع الاحتكاري أيضاً الذي تولّده أنظمة الملكية الفكرية، وتُظهر لماذا يشكّل المساس بها أداة ضغط أكثر إيلاماً وفعالية من أي حرب رسوم جمركية تقليدية.
وبالمثل، تكشف الأرقام الرسمية لشركة «أوراكل» الأمريكية عن حجم الربحية المرتبط بنموذج الترخيص وبراءات الاستخدام الذي يعتمد عليه نموذجها التجاري. ففي السنة المالية 2025 حققت «أوراكل» إجمالي إيرادات بلغت نحو 57.4 مليار دولار، مع الجزء الأكبر من هذه الإيرادات محقق من خدمات السحابة ودعم التراخيص التي تشكل جوهر حقوق الملكية الفكرية والبرمجيات المرخّصة، إذ بلغت عائدات هذا البند وحده نحو 44.0 مليار دولار. من ضمن ذلك، كان عائد ترخيص البرمجيات التقليدية ونظم التشغيل نحو 5.2 مليار دولار في العام نفسه، ما يعكس استمرار الاعتماد العميق على ترخيص المنتجات المحمية بملكية فكرية كأساس لتحقيق الربح. هذه الأرقام تظهر أن نموذج «أوراكل» يعتمد بدرجة كبيرة على بيع وترخيص البرمجيات والخدمات المحمية قانونياً، وهي عوائد لا يمكن فصلهـا بسهولة عن الاحتكارات القائمة على براءات الاختراع وحقوق النشر التي تضمن للشركة تدفقاً ضخماً من الأرباح السنوية.
إن وضع براءات الاختراع وحقوق النشر الأمريكية على المحك هو وسيلة مضمونة لجذب الانتباه. فالثروات الهائلة لأولئك الانتهازيين الذين أوصلوا ترامب إلى البيت الأبيض ويدعمون هجومه على الديمقراطية في أمريكا وفي العالم ستصبح فجأة موضع تساؤل.
وهناك سابقة تاريخية لهذا المسار. ففي الحرب العالمية الأولى، توقفت أمريكا عن احترام براءات الاختراع الألمانية، وبدلاً من ذلك أنشأت نظاماً للترخيص الإجباري. ووفق هذا النظام، كان بإمكان أي شخص استخدام أي براءة اختراع ألمانية مقابل رسم بسيط. ويمكن للدول الأوروبية أن تسلك مساراً مشابهاً رداً على حكومة أمريكية تقول عملياً إنها لا ترى فائدة في القانون الدولي.
ولن يكون مسار براءات الاختراع وحقوق النشر أشد إيلاماً بكثير لكبار الفاعلين في أمريكا ترامب، مقارنة بمسار الرسوم الجمركية فحسب، بل سيوفر أيضاً مكاسب حقيقية لشعوب أوروبا. تخيّل أن يتمكن الجميع من شراء هواتف «آيفون» بأقل من نصف
أسعارها الحالية، والحصول على برمجيات «مايكروسوفت» مجاناً أو شبه مجاني، ومشاهدة أحدث إنتاجات «ديزني» و«باراماونت» من دون أي كلفة. هذه حالة حقيقية يمكن فيها للجميع أن يستفيد من التجارة الحرة... إلغاء احتكارات براءات الاختراع وحقوق النشر.
كما أن هذا التحرك يكشف «الكذبة الكبرى» في السياسات الاقتصادية خلال نصف القرن الماضي. فقد حدثت خلال هذه الفترة عملية ضخمة لإعادة توزيع الدخل صعوداً. هذا الأمر أكثر وضوحاً في أمريكا منه في أوروبا، لكنه حصل في أوروبا أيضاً. وقد ساهم ذلك في صعود الشعبوية اليمينية في القارة.
وتكمن «الكذبة الكبرى» في الادعاء بأن هذا التحول الصعودي في توزيع الدخل كان نتيجة طبيعية لعمل السوق. إذ يُقال إن مسار التكنولوجيا والعولمة انتهى ببساطة إلى إفادة الشرائح الأكثر تعليماً من السكان، وخصوصاً أولئك الموجودين في القمة.
لكن هذا ادعاء كاذب، لأنه لا يوجد شيء «طبيعي» في احتكارات براءات الاختراع وحقوق النشر التي تمنحها الحكومات، والتي تلعب دوراً كبيراً في هذه العملية من إعادة توزيع الدخل صعوداً. كان بإمكان الحكومات أن تجعل هذه الاحتكارات أقصر عمراً وأضعف أثراً، بدلاً من أن تجعلها أطول وأقوى، أو أن تعتمد بدرجة أكبر على آليات أخرى لدعم الابتكار والعمل الإبداعي.
وهناك طرق أخرى ساهمت من خلالها السياسات الحكومية في إعادة توزيع الدخل صعوداً، لكن هذا نقاش أطول يمكن تناوله في مكان آخر. النقطة الأساسية هي أن الدول الأوروبية، عبر اختيارها عدم احترام براءات الاختراع وحقوق النشر الأمريكية، تمتلك سلاحاً بالغ القوة يمكن استخدامه ضد دونالد ترامب وداعميه الأثرياء. لقد حان الوقت لكي تذهب إلى الخيار النووي.