عرضنا في العدد السابق، الأساس القانوني للمسؤولية في القانون الدولي، من أجل حصول الضحايا على ما يستحقونه من تعويض، كما استعرضنا هذا الأساس القانوني في ضوء الاتفاقيات الدولية، معرجين على المسؤولية الدولية، وبعض النصوص القانونية ذات العلاقة، وتوقفنا عند الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف لسنة 1949.
حق الأفراد في مقاضاة الدول
أشار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عام 1998 بشكلٍ واضحٍ إلى الضحايا ومسألة تعويضهم، ولقد اكتسب ضحايا الجرائم الدولية- بإقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية- مركزاً قانونياً مستقلاً على المستوى الدولي، بعيداً عن وصاية الدولة.
إقامة الدعوى
كفلت القوانين المحلية والدولية حق التقاضي، وقد أشار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كيفية إقامة الدعوى أمامها، فلا يمكن للضحايا الحصول على تعويض من دون وجود شكوى تقدم إلى هذه المحكمة، والتي يصبح عليها لزاماً اتخاذ الإجراءات وفقاً للآلية التي وضعتها نصوص النظام الأساسي.
فقد نصت المادة 13 من النظام الأساسي إلى الأحوال التي يمكن فيها للمحكمة ممارسة اختصاصها، وهي:
إحالة من دولة طرف إلى المدعي العام تثبت وقوع إحدى الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة.
إحالة من مجلس الأمن، تتعلق بالبند السابع من الميثاق، بسبب ارتكاب فعل يراه مجلس الأمن يشكل جريمة أو أكثر، وتعد من اختصاص المحكمة.
قيام المدعي بمباشرة التحقيق إذا تعلق الأمر بجريمة من جرائم الإبادة أو الجرائم ضد الإنسانية، وفقاً لما يتمتع به من اختصاص حددته المادة 15 من نظام المحكمة.
إثبات الدعوى
تشير المادة 21 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلى أن المحكمة تطبق في المقام الأول: النظام الأساسي، وأركان الجرائم، والقواعد الإجرائية، وقواعد الإثبات الخاصة بالمحكمة، وفي المقام الثاني تطبق: المعاهدات الواجبة التطبيق، ومبادئ القانون الدولي وقواعده، بما في ذلك القواعد المقررة في القانون الدولي للمنازعات المسلحة، وإلا: فالمبادئ العامة للقانون التي تستخلصها المحكمة من القوانين الوطنية للنظم القانونية في العالم.
إن مسألة إثبات الدعوى وفقاً للنظام الأساسي للمحكمة تبدأ من وقت التدقيق في المعلومات المقدمة إلى المحكمة أو المدعي العام، وهذا يتم من قبل المدعي العام كمرحلة أولى، ثم يأتي دور الدائرة التمهيدية لتتأكد بعد دراستها للطلب، وما يدعمه بأن هناك أساساً معقولاً للشروع في إجراءات التحقيق، أو أن الدعوى تقع في اختصاص المحكمة، لتأذن بعد ذلك بالبدء في إجراء التحقيق.
أسس تقدير التعويض
أصبح مبدأ التعويض عن الأضرار من المبادئ الجوهرية المستقرة في القانون الدولي المعاصر، ولقد خَوّل نص المادة 75 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بأن تضع المبادئ التي تستند إليها في جبر أضرار الضحايا وما يخصهم، وبخصوص تحديد مسؤولية الدولة ومسؤولية الأفراد، فإن الدولة تكون مسؤولة عندما ترتكب فعلاً غير مشروع، وهذا ما نصت عليه المادة الأولى من مشروع المواد المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً.
وفي نطاق تعويض ضحايا الجرائم الدولية، فإنه يمكن للتعويض أن يتخذ أشكالاً مختلفة، تتعدد وفقاً لتعدد معايير التقسيم المعتمدة، كأن يكون بحسب نوع التعويض، وهذا ما تضمنه النظام الأساسي في الفقرة الثانية من المادة 75 بقولها: إن تعويض الضحايا يتم من خلال ثلاثة أنواع هي 1 - رد الحقوق 2 - التعويض 3 - رد الاعتبار.
رد الحقوق
رد الحقوق يعني: استعادة الوضع الذي كان عليه المضرور (الضحية) قبل وقوع الفعل المؤدي إلى الضرر، أي: أن يعيد المجرم جميع ما استحوذ عليه نتيجة لجرمه إلى الضحية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فالرد هنا يقتصر على المطالبات بخصوص الممتلكات المسروقة، أما التعويض النقدي فإنه يأتي بديلاً إذا كانت الاستعادة غير ممكنة.
التعويض
يعد التعويض من التدابير التي يمكن أن تستخدمها المحكمة الجنائية الدولية لإصلاح الأضرار التي يتعرض لها الضحايا، فقد أتاحت الصياغة التي أتت بها المادة 75 من النظام الأساسي، للمحكمة أن تقرر أشكالاً كثيرة من التعويضات الضرورية لإصلاح الضرر، إضافة إلى ما خَوّلت به المادة 21 من النظام الأساسي للمحكمة للاعتماد على مبادئ القانون الدولي والمبادئ العامة للقانون والنظم القانونية في العالم، التي تتفق مع حقوق الإنسان المعترف بها دولياً، وبذلك نكون أمام تدابير مختلفة تقوم على مسؤولية الدول، وليست المسؤولية الجنائية الفردية، لأن الدولة تمتلك الموارد المالية والبنى التحتية القائمة التي تؤهلها لإصلاح الضرر، وهذا لا يكون فقط عندما يكون التعويض حالياً فقط، إنما في حالة إعادة التأهيل والإصلاح، لأن الأضرار الناشئة عن الجرائم الدولية لها خصوصيتها، لا سيما من حيث جسامتها وأنها لا تستهدف فرداً بل جماعات، ومن الأمثلة المعروفة بهذا الخصوص، والتي تعد نموذجية: قيام الدول بجهود تعويض الضحايا انتهاكات القانون الدولي الإنساني المرتكبة في نزاعات مسلحة غير دولية، والتي حصلت في غواتيمالا، والتي أقرت الأطراف بأن التعويض ومساعدة ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان واجب إنساني، وكذلك الضحايا التي وقعت في الفلبين، والتي أقرت بها كنتيجة: التعويض المناسب للضحايا.
وبخصوص جبر الضرر فإنها تتم من خلال طريقتين وفقاً لنص المادة 75 من نظام روما الأساسي، إحداهما أصلية تتم بناءً على طلب المجني عليهم، وأخرى استثنائية بناءً على مبادرة من المحكمة.
أشكال التعويض
إن التعويض الذي تقرره المحكمة الجنائية الدولية لا بد وأن يختلف بسبب اختلاف الضرر الذي يمكن أن تتعرض له الضحايا، فقد يكون الضرر على شكل إصابات جسدية، وهذه الإصابات يجري تعويضها ليس فقط باعتبارها ضرراً جسدياً، إنما ما تتركه من أثرٍ على الضحية من حيث إنها ستُفقد الضحية جزءاً من الإمكانات التي كانت تتمتع بها قبل الاعتداء، وما سيتركه من أثرٍ على الدخل قد يؤدي إلى فقدانه، بالإضافة إلى ما تتحمله من نفقات طبية.
وأشكال التعويض، التي لطالما يكون اللجوء إليها لأداء الوظيفة التعويضية والردعية هي: التعويض المالي، والتعويض العيني، وكذلك رد الاعتبار.
وفي العدد القادم سنتابع تفاصيل إضافية حول هذه الأشكال.