Skip to main content

اقتصاد (3513)

بينما يلملم السوريون جراح عقد ونصف من الحرب والدمار، تبرز في الأفق معركة «هوية الاقتصاد» بوصفها معركة لا تقل ضراوة عن معارك الميدان. وقد بدأت تتعالى في المشهد الاقتصادي والأكاديمي السوري اليوم أصوات تدعي الحداثة، وتروج لموت فكرة «الاقتصاد المخطط» وتصوره كجثة هامدة خلفها الاتحاد السوفييتي وراءه. ويحاول هؤلاء الأكاديميون الذين يرتدون عباءة العلمية الزائفة إقناعنا بأن الحل الوحيد لنهوض سورية هو «تحرير السوق» بالكامل وترك المبادرة له في ظل رفع يد الدولة عن كل شيء، وخصخصة الأصول الوطنية بدعوى ضرورة تأمين الكفاءة الاقتصادية. لكن الحقيقة التي يتغافلون عنها، أو ربما يغطونها قصداً، هي أن هذا الخطاب الذي يصور نفسه كمجرد رأي اقتصادي هو تمهيد سياسي لتسليم ما تبقى من مقدرات البلاد لنخب جديدة تتغذى على ركام الدولة وتهدد بإعادة إنتاج الانفجار الاجتماعي السوري بوتائر أعلى. إن تصوير التخطيط الاقتصادي كمرادف للفشل أو الاستبداد هو مغالطة تاريخية ومعرفية كبرى، فالتخطيط في جوهره هو الإدارة الأمثل للموارد، بينما السوق مطلق اليدين في بلد مدمر يعني ببساطة سيادة قانون الغاب، حيث يلتهم القوي الضعيف، وتتحول إعادة الإعمار إلى وليمة كبرى للفاسدين وأمراء الحرب ووكلائهم، على حساب الملايين الذين يحلمون بمسكن وخبز وكرامة في وطنهم.

الأحد, 14 كانون1/ديسمبر 2025 21:41

هدية العطلة من الشركات للعمال... التسريح!

Written by

أظهر التقرير الشهري الصادر عن شركة الموارد البشرية «ADP» أنّ أصحاب العمل في القطاع الخاص في أمريكا خفّضوا 32,000 وظيفة خلال شهر تشرين الثاني، في أحدث إشارة إلى «مجزرة» وظائف متسارعة.

منذ سقوط السلطة السابقة في سورية، تسابقت الوجوه الجديدة في الحكومة والهيئات الاقتصادية مدججة بمصطلحات براقة وشعارات مستوردة، لتبشر السوريين بعهد «الاقتصاد الحر التنافسي». حيث يتم تسويق هذا التوجه اليوم لا بوصفه خياراً، بل باعتباره «الحقيقة المطلقة» والمسار الحتمي الوحيد للنجاة من الخراب، وكأن «تحرير السوق» هو التعويذة السحرية التي ستحول الوضع الكارثي في سورية إلى حالة رخاء عامة. والخطورة في هذا الطرح لا تكمن فقط في تجاهله للواقع الكارثي الذي تعيشه البلاد، بل في كونه يؤسس لشرعية جديدة للنخب الفاسدة ذاتها التي اعتاشت على عذابات السوريين خلال العقود الماضية. ويجري العمل بشكل متسارع على تقييد المواطن السوري أكثر بأغلال «السوق»، حيث يطلب أصحاب هذا التوجه من الدولة أن ترفع يدها عن كل شيء، وتترك المجتمع «حراً» في مواجهة قوى اقتصادية لا ترحم. وهذا التوجه، الذي يصور كنموذج متماسك وعصري، هو في حقيقته قفزة في المجهول، ومحاولة لإعادة إنتاج الفساد القديم ولكن بعباءات جديدة وقوانين «عصرية»، تضع مصالح قلة من المنتفعين فوق مصلحة ملايين المسحوقين الذين دفعوا ثمن التغيير دماً وقهراً.

يحتفل السوريون هذا الشهر بمرور سنة كاملة على سقوط سلطة الأسد، تلك السلطة التي لم تكتف بقمع الحريات السياسية، بل أسست لمنظومة قمع ونهب اقتصادي ممنهج راكمت العذابات على كاهل السوريين وأمعنت في إفقارهم. وبينما تطوي البلاد صفحة السلطة السابقة، لا يزال السؤال الاقتصادي الحارق يفرض نفسه بقوة: هل جرى القطع فعلياً مع النهج الاقتصادي الاجتماعي السابق الذي قاد البلاد إلى الهاوية؟ أم أننا نشهد استمراراً للمنظومة ذاتها بوجوه جديدة؟ من المفيد، بل من الضروري، استعادة الذاكرة القريبة. فقبل سقوط السلطة السابقة بأسابيع قليلة، كانت الماكينة الإعلامية والحكومية تمهد لما سمته «كسر المحرمات». حيث تعالت الأصوات الحكومية معلنة الحرب على ما وصفته بـ«الأيديولوجيا السلبية الجامدة»، في تورية عن نيتها تصفية القطاع العام وإلغاء الدعم الاجتماعي نهائياً. تجلى ذلك في رفع سعر ليتر المازوت من 2000 ليرة إلى 5000 ليرة دفعة واحدة، والإفصاح عن نية الانسحاب من قطاعات صناعية استراتيجية بحجة «تحويلها إلى رابحة». كان ذلك يجري والسوريون قد وصلوا إلى عتبة فقر مدقع غير مسبوقة، حيث صُنف أكثر من 90% منهم تحت خط الفقر وفق تقديرات الأمم المتحدة.

في مقالٍ نُشر في «كونتر تام» بتاريخ 11 تشرين الثاني 2025، يقترح أنطوان سال-بابو، المسؤول عن مدرسة التكوين في معهد «Institut La Boétie» الذي أنشأته حركة «فرنسا الأبية»، الردّ على مقالٍ نشره فريديريك لوردون في «لوموند ديبلوماتيك» بتاريخ 3 تشرين الأول 2025، بعنوان: «هل تُعَدّ فرنسا الأبية حركةً مناهضةً للرأسمالية؟». يدّعي سال-بابو أنّه، وفي التحليل الملموس للوضع الملموس الراهن، ينبغي قلبُ الانقلاب الذي أحدثه ماركس في «رأس المال» بين دائرة التداول ودائرة الإنتاج، «ماركس يقول: القيمة لا تُنتَج في التداول، بل تتحقّق فقط. الإنتاج يخلق القيمة، والتداول يُظهرها ويحوّلها إلى مال».

لطالما سُوّقت خصخصة القطاع العام في أدبيات الاقتصاد النيوليبرالي على أنها العصا السحرية لانتشال الدول من وحل البيروقراطية والترهل الإداري. حيث يُقال لنا بعبارات زائفة ومنمقة إن الدولة «تاجر فاشل»، وإن القطاع الخاص هو عنوان الكفاءة والجودة. ولكن، خلف هذه الشعارات البراقة، تكمن حقيقة مرعبة، خاصة فيما يعرف بدول العالم الثالث والاقتصادات الناشئة. فالخصخصة في جوهرها ليست سوى عملية «نقل ملكية» ممنهجة لثروات الشعب المتراكمة عبر عقود، لتصب في جيوب قلة قليلة من المنتفعين. إنها عملية سطو مقنن، تنتزع فيها أصول الدولة التي بنيت بعرق ودماء الناس، لتباع بأبخس الأثمان تحت مسمى «الاستثمار» و«التشاركية». من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الخصخصة بوصفها إجراء اقتصادي عابر، بل قرار سياسي بامتياز يهدف إلى إعادة هندسة المجتمع طبقياً، وسحب البساط من تحت أقدام الفقراء، وتحويل المواطن من صاحب حق في ثروات بلاده إلى مجرد «زبون» مستهلك، لا قيمة له إن لم يمتلك المال. وهذا التحول ليس مجرد تغيير بسيط في الملكية داخل المجتمع، بل إعلان صريح بأن الدولة تخلت عن مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية تجاه مواطنيها، تاركة إياهم فريسة لحيتان السوق الذين لا يعرفون سوى لغة الربح ومراكمة الثروات.

شهد شهر أيلول الماضي تحولاً مفصلياً في السياسة المالية السورية، حيث أعلنت وزارة المالية عن إطلاق عملية تغيير واسعة في بنية النظام الضريبي وصلت ذروتها بإصدار مسودتين جديدتين لقانوني «الضريبة على الدخل» و«الضريبة على المبيعات». وتكتسب هذه التغييرات حساسية مفرطة وأهمية استثنائية بالنظر إلى توقيت طرحها وسياقها الاقتصادي الراهن، إذ تعتبر الضرائب الشريان الحيوي وأهم مصادر الإيرادات السيادية للدولة التي تعاني من عجز مزمن، في وقت لا تزال السلطة الحالية تشتكي فيه ليل نهار من انخفاض هذه الإيرادات وشح الموارد. وتستخدم الحكومة هذه الحجة لتبرير السياسات المجحفة التي تنتهجها، والتي تتضمن عمليات ممنهجة لإنهاء الدعم الاجتماعي ورفع أسعار المواد الأساسية التي تمس قوت المواطن اليومي، مثل الخبز والمحروقات، ومؤخراً الزيادات الحادة في تعرفة الكهرباء. حيث لا تزال السلطة تتمسك بسردية ضرورة «وقف الخسارة» التي تتكبدها الخزينة جراء هذا الدعم، وضرورة ردم الفجوة في العجز، مما يطرح تساؤلات مشروعة وعميقة حول التناقض بين الشكوى من قلة الموارد وبين السعي لتعديل القوانين الضريبية بما يؤثر على تدفق هذه الموارد نفسها.

في ظل أزمة اقتصادية عميقة، تحوّلت الأرجنتين إلى مختبر حي لنموذج هيمنة رأس المال العالمي، بقيادة حكومة خافيير ميلي، التي تُعدّ امتداداً منهجياً لمشروع الليبرالية الجديدة، مدعومةً بصندوق النقد الدولي (IMF) كأداة سياسية أكثر منها اقتصادية. فبينما تُقدّم هذه المؤسسة نفسها كمُنقذ للدول المتعثرة، فإن واقعها يكشف عن دورها كأداة لفرض هيمنة سياسية واقتصادية تخدم مصالح النخب المالية العالمية على حساب الشعب.

عقد دونالد ترامب اجتماعاً مهماً مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في مدينة بوسان الكورية الجنوبية في 30 تشرين الأول. وهناك توصّلا إلى اتفاق جديد يعادل هدنة لمدة عام واحد. وافقت حكومة أمريكا على رفع معظم الإجراءات العقابية التي فرضتها على الصين منذ نيسان 2025، لتعيد الوضع فعلياً إلى ما كان عليه في كانون الثاني، عند دخول ترامب ولايته الثانية. وعلى الرغم من أنّ هذا ليس نهاية الحرب التجارية، إلا أنّ الصين ربحت هذه المعركة بوضوح.

يوم الجمعة، 14 تشرين الثاني 2025، أعلنت الناطقة باسم صندوق النقد الدولي، جولي كوزاك، إن الصندوق أرسل بعثة إلى سورية لمناقشة أولويات الإصلاح واحتياجات المساعدة الفنية، وأن المحادثات تركزت على التحديات والفرص الاقتصادية في سورية وسبل دعم الصندوق لجهود إعادة تأهيل الاقتصاد الوطني. جاء ذلك بعد تصريحات لوزير المالية السوري، محمد يسر برنية، يوم الثلاثاء 4 تشرين الثاني، على هامش لقاء مع جمعية رجال وسيدات الأعمال السورية SBC، قال فيها إن البنك الدولي سيفتتح مكتباً له في دمشق، كما سيكون هناك ممثل مقيم لصندوق النقد الدولي فيها.

الصفحة 5 من 251