Skip to main content

عربي دولي (7531)

الأحد, 29 آذار/مارس 2026 17:18

«إسرائيل» وقلق الوجود

Written by

{تمرّ «إسرائيل» بواحدة من أخطر مراحل وجودها، إن لم تكن أخطرها وآخرها على الإطلاق، وهي الآن بأكثر فترات ضعفها منذ صناعتها، وبدء الاحتلال الصهيوني في القرن الماضي، وذلك على الرغم من مظاهر «القوة العسكرية» المتمثلة فقط بـ: البطش والإجرام والتدمير والتخريب في كامل المنطقة، وبمختلف الوسائل والاشكال المباشرة والهجينة، إلا أنها ورغم كل هذا «الجنون» العسكري والاستخباراتي، ورغم حالة عدم الاستقرار كلها التي صنعتها في الإقليم، لم تحقق أيّ هدف من أهدافها، كما لم تحرز تقدماً واحداً يذكر... وإذا كان الحديث فيما مضى يقول: إن استمرار وجود «إسرائيل» بات موضوعاً «على طاولة البحث»، فإن إنهاء الكيان الصهيوني بات «على مسار التنفيذ».

يشكل التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، اختباراً حقيقياً لليابان على المستويين السياسي والاقتصادي، كما وضع زيارة رئيسة الوزراء اليابانية إلى الولايات المتحدة في سياق مختلف تماماً عن أهدافها الأصلية. فبدلاً من التركيز على الاستثمار والتعاون الاقتصادي والمخاوف الأمنية التقليدية، تحولت الزيارة إلى ساحة اختبار لقدرة طوكيو على المناورة بين تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن، ومصالحها الاقتصادية والأمنية المرتبطة باستقرار منطقة غرب آسيا.

الحرب الخاطفة التي تمناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبنيامين نتنياهو، تحوّلت سريعاً إلى مستنقع خطر! بعد 23 يوماً من العدوان الأمريكي-«الإسرائيلي» ضد إيران تنجح الجمهورية الإسلامية في توجيه ضربات مستمرة ونوعية، وتكشف عن قدرات عسكرية كبيرة تتميز بقدرتها على العمل حتى ضمن ظرف القصف المعادي المتواصل.

تُشكل التداعيات المتصاعدة للحرب الأمريكية-«الإسرائيلية» على إيران اختباراً استراتيجياً حقيقياً لأمن الطاقة الصيني، حيث تجد بكين نفسها في قلب المعادلة العالمية كأكبر مستورد للنفط في العالم، أمام تهديد مباشر يتمثل في احتمال انقطاع التدفقات عبر مضيق هرمز الذي يعبره ثلث النفط الخام المنقول بحراً و20% من الاستهلاك العالمي. ورغم الخطورة البالغة لهذا السيناريو، الذي وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه قد يتسبب في «أكبر تعطل للإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية»، فإن الصين لم تنتظر الحدث، بل سبقته بعقدين من الاستثمار المكثف في بدائل الطاقة، وبناء مخزون استراتيجي هائل.

تعكس القمة الأوروبية الأخيرة في بروكسل صورة قارة تعيش تحت ضغط تداعيات حرب لا تسيطر عليها، لكنها تدفع ثمنها بشكل مباشر، وترفع من حدة التهديدات عليها، فالحرب الأمريكية–«الإسرائيلية» على إيران ليست مجرد ملف خارجي بالنسبة للاتحاد الأوروبي، بل تحولت إلى عامل تفجير داخلي يطال الاقتصاد، والطاقة، والسياسة، وحتى التماسك بين الدول الأعضاء.

كان الرهان في واشنطن وتل أبيب منذ اللحظة الأولى لانطلاق الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» على إيران في 28 شباط يقوم على تفجير الداخل الإيراني، عبر دفعه نحو انطلاق موجة من التظاهرات والانقسام السياسي وانهيار النظام، لكن ما حدث فعلياً، وما تظهر مؤشراته حتى الآن، أن الأمور تمضي في الاتجاه المعاكس تماماً: تماسك في البنية الإيرانية، مقابل مؤشرات لتصدعات واضحة داخل البنية السياسية والأمنية الأمريكية نفسها، وداخل إدارة ترامب وقاعدته، وهذه المفارقة لا تعد تفصيلاً عابراً، بل تشكل أحد أهم مفاعيل الحرب الجارية حتى الآن.

إن الدور الذي أدته «إسرائيل» في الحرب الحالية على إيران أساسي ومحوري، فإنهاء دور «إيران» الإقليمي هو ممرٌ إجباري، إذا ما أراد الكيان المضي قدماً في مشروع «إسرائيل الكبرى»، ومن هنا لم يكن من الممكن النظر إلى الحرب الدائرة حالياً بوصفها صراعاً بين «إسرائيل» والولايات المتحدة من جهة، وإيران في الجهة المقابلة، بل هي في الحقيقة محاولة جديّة لإعادة رسم خارطة المنطقة، ما يعني أنه استهداف واضح ومعلن للجميع ودون استثناءات، وإيران هي محطة أولية ملزمة لتنفيذ المشروع كاملاً.

تُعدّ الإمارات العربية المتحدة من أكثر الدول عرضةً للتداعيات الاستراتيجية للحرب الجارية في المنطقة، والتي بدأتها الولايات المتحدة و«إسرائيل» ضد إيران. ولا يقتصر هذا الخطر على تعرّض الدولة المطلّة على مضيق هرمز لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، أو الأضرار التي تطال البنية التحتية النفطية والموانئ، بل يمتد ليهدد الأسس التي قام عليها النموذج الإماراتي نفسه.

مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها الثالث، ورغم عدم تكشّف الخسائر الناجمة عنها بعد بتقارير رسمية، والتعتيم على المعلومات و/أو التشويش عليها، يمكن رصد بعض الخسائر التي لا يمكن للولايات المتحدة ضبط التحكم بكشفها وتداولها، وخاصة على المستوى العسكري.

سببت الحرب المستعرة التي شنتها الولايات المتحدة و«إسرائيل» على إيران حتى الآن دماراً هائلاً في المنطقة. لكن في لحظات التحولات التاريخية الكبرى لا يُقاس حجم الدمار بقيمته المالية المباشرة، بقدر ما يُقاس بأثره الاستراتيجي طويل المدى...

الصفحة 5 من 538