Skip to main content

اقتصاد (3513)

خلّف زلزال 6 شباط الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سورية خسائر بشرية ومادية كبيرة ستؤثر على حياة البلاد واقتصادها لسنواتٍ قابلة. وكما هي العادة، تشرّع الكوارث الباب على أسئلة كثيرة كان يجرى تجاهلها في «الأوقات العادية». ربما يكون واحد من أهم هذه الأسئلة التي يجري طرحها اليوم هو ذلك المتعلق بالطريقة التي تتحرك وفقها أجهزة الدولة حول العالم في مرحلة ما بعد الكوارث.

ماذا علينا أن نتوقع من «رأس المال المالي»؟ أن يطوّر الاقتصاد الحقيقي؟ أن يؤدي إلى اختراقات مبتكرة في التكنولوجيا؟ على المستوى المحلي وعدنا أصحاب «السوق الاجتماعية» كما وعد مدراؤهم العالميون بقيّة العالم بأن المنافسة ستقوم بتحسين إنتاجية السلع والخدمات، وبأسعار تضاهي جيوب معظم المواطنين، ولكن لا نجد اليوم إلّا احتكار وخلق الأزمات وضرب الإنتاج لصالح أرباح الاستيراد. إنّ النهب الدولاري المحلي من قبل «الليبراليين المحليين الأعزاء» هو جزء من الدولرة ورأس المال المالي المدمر في جميع أنحاء العالم، والذي تمكن من السيطرة عبر أدوات التمويل وأسواق الأسهم حتّى على أرباح رأس المال الحقيقي. قصّة اليوم هي حول قدرة شركة «تحليل مالي» بالتعاون مع شركة «صحافة مالية» على تحقيق أرباحٍ خيالية من العدم عبر نشر «تقارير مالية» مدمرة في الوقت الصحيح.

حتى اللحظة، يصعب حصر الخسائر الاقتصادية التي خلّفها الزلزال المدمّر الذي ضرب مناطق جنوبي تركيا وشمال سورية فجر يوم الإثنين 6/2/2023. فعدا عن الخسائر البشرية السورية التي قاربت 5000 حالة وفاة وأكثر من 7 آلاف إصابة (حتى ساعة كتابة هذه السطور)، تكبدت سورية خسائر اقتصادية مباشرة لم يتم الكشف عنها رسمياً ولو بشكلٍ تقريبي بعد، وخسائر اقتصادية غير مباشرة ستؤثر بشكلٍ مؤكد على الاقتصاد الوطني لسنواتٍ قادمة.

يمكن اليوم معاينة الآثار الكارثية التي تركتها سنوات الحرب في جميع مجالات الحياة في سورية، بينها ما هو وليد مرحلة الحرب، وبينها ما هو ناشئ عن طبيعة الحكم وإدارة الاقتصاد في البلاد. ومن بين عوامل القهر العديدة، تعاني شريحة واسعة من السوريين - ولا سيما من فئة الشباب والطلاب- من عجزها عن امتلاك هاتف أو لابتوب محمول قادر على تلبية متطلباتها المتزايدة موضوعياً، ذلك في ظل أسعارٍ فلكية ورسوم جمركية استثنائية على صعيد المنطقة والعالم.

إحدى النقاط الرئيسية التي استخلصت من الحدث السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هي ما قاله وزير المالية السعودي بشكل واضح بأنّ الرياض: «ستأخذ بالاعتبار التجارة باستخدام عملات أخرى غير الدولار الأمريكي...». الأمر الآخر أنّ البنكين المركزيين الإيراني والروسي يدرسان اعتماد «عملة مستقرة» لتسويات التجارة الخارجية، لتحل محل الدولار الأمريكي والروبل والريال. إنّ المجموعة التي تفكّر بالعملات الرقمية قد بدأت بحمل السلاح بالفعل، وهم يفكرون في إيجابيات العملات الرقمية المدعومة من البنوك المركزية «CBDC» لاستخدامها في التجارة، والتي ستكون منيعة أمام الدولار الأمريكي المستخدم كسلاح.

وصلت الولايات المتحدة الأمريكية منتصف شهر كانون الثاني - مرة أخرى- إلى سقف دينها العام. وبينما تعصف الخلافات في الكونغرس الأمريكي، ويتقلّص الإنفاق الحكومي الأمريكي، يتابع العالم باهتمام شديد تفاصيل هذه الخلافات ومآلاتها اللاحقة. يجري ذلك في ضوء محاولات محمومة من وسائل الإعلام للتركيز على المسألة بوصفها مجرد «نزاع داخلي» بين الجمهوريين والديمقراطيين، لا بوصفها تهديداً وجودياً للولايات المتحدة يتجاوز حدود الصراع السياسي الداخلي.

في مقابلة مع لو فنغ، البروفسور في معهد التنمية الوطني في جامعة بكين، علّق على قضايا شديدة الأهمية بالنسبة للنمو الاقتصادي الكلي للصين في 2023 وارتباطه بمعدل التوظيف وعلى كون تعزيز الاستهلاك المحلي هو الحلّ لتحقيق نمو مستقر في 2023.

منذ ما قبل انفجار الأزمة في البلاد، يعاني القطاع الصحي السوري من مشاكل مزمنة ومتراكمة تم دفعها للتفاقم خلال السنوات الماضية جراء تضاؤل الدعم الحكومي الرسمي للصحة وتراجع أعداد الكوادر العاملة في هذا القطاع، بكل ما يعنيه ذلك من تراجع في أدائه العام والخدمات التي يفترض أن يقدمها للسوريين. وذلك في زمنٍ ترفع فيه العديد من الدول في العالم إنفاقها على القطاع الصحي بعد أن تعلّمت من درس فيروس كورونا الذي كشف عيوب قطاعات الصحة على الملأ.

بالنسبة للدول في «الجنوب العالمي»، البذار والحقوق المصاحبة لها هي معركة لا يمكنهم عدم خوضها إن أرادوا الحفاظ على سبل عيشهم، فالقدرة على الحصول على البذار وتداولها بشكل محلي وحمايتها أمور حاسمة في الكثير من المجتمعات الريفية، وهي ناهيك عن كونها جزء من آليات محاربة تغيّر المناخ، مفتاح رئيسي في حماية الأمن الغذائي العالمي. ومع ذلك فإنّ قدرة المزارعين على الاستمرار في تقاسم هذه البذار وزراعتها تتعرض لتهديد مستمر من قبل الشركات متعددة الجنسيات والدول التي تدعمها.

لم يسلم قطاع التعليم في سورية من الآثار الكارثية التي نجمت عن انفجار الأزمة السورية في عام 2011، وربما لا يكون من المبالغة القول اليوم إنه من أكثر القطاعات تعرضاً للضرر. وهنا لا نقصد الضرر المباشر الناجم عن العمليات العسكرية كتدمير المباني التعليمية مثلاً، بل عن ضرر أقوى وأشدّ فتكاً، يدفع الكادر التعليمي إلى ترك القطاع، ويجبر التلامذة والطلاب - الذكور والإناث على حد سواء- على ترك مقاعد الدراسة إما للالتحاق بسوق العمل أو الزواج المبكر. وذلك في ظل تراجع هائل في الإنفاق الحكومي التقديري على قطاع التعليم في البلاد.

الصفحة 26 من 251